ابن البيطار

144

الجامع لمفردات الأدوية والأغذية

وحدها وفي هذه التربة الموجودة هناك ثلاثة أصناف أحدها هذا الصنف الذي ذكرنا وقلنا إنه للمتولي لأمر هيكل أرطاميس لا يقربه أحد سوى تلك المرأة ، والصنف الثاني مغرة وهي التي يستعملها النجارون خاصة في ضرب الخيوط على الخشب ، والصنف الثالث تراب أرض ذلك التل هو تراب يجلو ويستعمله كثير ممن يغسل الكتان والثياب فلما قرأت كتاب ديسقوريدوس وكتب غيره إنه يخلط في ذلك الطين المنسوب إلى لميون دم التيوس وإن تلك المرأة التي هي موكلة بالهيكل هناك تأخذ من ذلك التراب المعجون بهذا الدم فتجمعه وتختمه وتجعله هذه الخواتيم المعروفة بالطين المختوم تاقت نفسي إلى مباشرة هذا الخلط وتعرف مقدار ما يخلط مع التراب من الدم والوقوف عليه بنفسي . ولما داعتني نفسي إلى المضي إلى جزيرة قبرص بسبب المحتفرات التي هناك وإلى الغور بفلسطين بسبب قفر اليهود وغيره مما هناك من الأشياء الكثيرة التي تسحق المباشرة لها والنظر إليها كذلك لم أكسل عن المسير إلى لميون وذلك إني لما خرجت من إنطاكيا وسرت إلى ماقدونيا وجزت هذا البلد كله وصلت إلى المدينة المعروفة بفللنيس وهي مجاورة براقي ثم انحدرت من ههنا أيضا إلى البحر القريب من هذا البلد وبعد هذا البحر عن هذا الموضع نحو 125 ميلا ، ثم انحدرت من هناك وجلست في مركب وسرت أوّلا إلى باسوس فسرت نحوا من 255 ميلا ، ثم سرت من هذا الموضع أيضا إلى الجزيرة التي يقال لها لميون نحوا من 755 ميلا أخرى ، وسرت من هذه الجزيرة إلى الإسكندرية التي في طرفا « 1 » 755 ميلا أخرى ولم أذكر هذا المسير وهذه الأميال ههنا جزافا بل إنما وصفت ذلك كيما أن أراد أحد أن ينظر إلى المدينة المسماة أنفسطياس كما قد نظرت أنا علم من قولي هذا أين موضع تلك المدينة وأستعد للسفر إليها استعدادا جيدا يبلغه إليها فجميع هذه الجزيرة المسماة لميون فيها من شرقيها المدينة المسماة أنفسطياس ومن غربيها المدينة المسماة مودنية ، وفي الوقت الذي سرت أنا إلى هذه الجزيرة جاءت تلك المرأة القيمة بأمر هيكل أرطاميس إلى هذا التل فألقت هناك عددا معلوما من الحنطة والشعير وفعلت أشياء أخر على عادة أهل ذلك البلد في دينهم ، ثم حملت من تلك التربة وقر عجلة كما هي وسارت بها إلى المدينة كما وصفت قبل وعجنت ذلك الطين وعملت منه طينا مختوما وهذا هو الطين المختوم المعروف في كل موضع ، فلما نظرت إلى ذلك رأيت أن أسأل هل كان فيما مضى من الدهور يخلط في هذا الطين دم التيوس والمعز فبلغهم ذلك عن قوم رووه عن غيرهم بالتقليد منهم فضحك مني

--> ( 1 ) قوله : طرفا في نسخة طروا .